حبيب الله الهاشمي الخوئي
18
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
أبو عبد اللَّه عليه السّلام عن الملائكة يأكلون ويشربون وينكحون ، فقال : لا ، إنهم يعيشون بنسيم العرش ، فقيل له : ما العلَّة في نومهم فقال : فرقا بينهم وبين اللَّه عزّ وجلّ ، لأنّ الذي لا تأخذه سنة ولا نوم هو اللَّه . وحاصل الجمع أن يحمل النوم في هذه الرّواية وما شابهها من الأخبار المثبتة له ، على النوم القليل المعبر عنه بالسنة الغير المانعة عن الذكر والتسبيح . وفي قوله لا يغشيهم نوم العيون على النوم الغالب الموجب للغفلة ، ولا يبعد استفادة هذا المعنى من قوله : لا يغشيهم ، كما ذكره الرّاوندي بأخذه من الغشي الموجب لتعطيل القوى المحركة ، إلَّا أنه خلاف الظاهر ، والظاهر أنه مأخوذ من غشيته إذا أتيته ، فلا دلالة فيه من حيث الوضع ، وإنما الدّلالة باقتضاء الجمع الذي ذكرناه ، وعليه فالمعنى أنه لا يأتيهم نوم العيون الموجب للغفلة ، كما يأتي غيرهم . وهذا نظير ما روي في خواص النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله ، من أنه كان ينام عينه ولا ينام قلبه انتظار اللوحى الإلهي ، فالنوم وإن اعتراه ، لكنه لا يعطله عن مراقبة ربه سبحانه كما يعطل غيره واللَّه العالم ( ولا سهو العقول ، ولا فترة الأبدان ، ولا غفلة النسيان ) الفرق بين السهو والنسيان والغفلة : أن السهو هو عزوب الشيء وانمحاؤه عن القوّة الذاكرة مع ثبوته في الحافظة بحيث يلحظ الذّهن عند الالتفات إليه ، والنسيان هو ذهابه عنهما معا بحيث يحتاج في تحصيله إلى كسب جديد ، والغفلة أعمّ منهما ، ولما كان هذه الأمور الثلاثة من عوارض القوى الانسانية صحّ سلبها عن الملائكة ، لعدم وجود تلك المعروضات فيهم كما في الانسان ، وسلب الأعمّ وإن كان مستلزما لسلب الأخص إلَّا أنّه عليه السّلام جمع فيهما لزيادة التّوكيد . وأمّا سلب فتور الأبدان فلأنّ الفتور هو وقوف الأعضاء البدنية عن العمل بسبب تحلَّل الأرواح البدنية وضعفها ورجوعها للاستراحة ، وكلّ ذلك من توابع المزاج الحيواني ، فلا جرم صحّ سلبه عنهم ، وفاقا لقوله سبحانه : يسبّحون الليل والنّهار لا يفترون . ( و ) القسم الثّاني ( منهم امناء على وحيه ) الحافظون له مؤدّين إيّاه إلى رسله